
نقلا عن المركزية –
لا تخفي المراجع الديبلوماسية العربية والغربية استغرابها للتقلبات التي ميزت مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري بين الفينة والأخرى، ولا سيما في المفاصل الأساسية التي رافقت أحداثا كبيرة شكلت انقلابات في مجرى التطورات على الساحة اللبنانية منذ فترة طويلة يمكن احتسابها من اللحظات التي تمرس فيها بأن يكون الرجل الوحيد الذي كرس وجوده في ساحة النجمة منذ انتخابه للمرة الأولى رئيسا للسلطة التشريعية في 20 تشرين الأول 1992 وحتى اليوم , بعد ان مدد المجلس النيابي لنفسه عامين، في لحظة أعقبت تعطيل دوره كسلطة تشريعية كان عليها ان تنظر في مجموعة من مشاريع واقتراحات القوانين الخاصة بالانتخابات، قبل ان يدعو الى جلسة في فترة يومين متى تقرر التمديد للمجلس، وهي عملية رغم مشروعيتها في توقيتها وشكلها استفزت اللبنانيين وبعض العالم، اعتراضا على طريقة تحكمه بسلطة بكامل أدوارها بصفتين: تارة كونه رئيسا لها وأخرى كأحد طرفي “الثنائي الشيعي” المتمسك بسلاحه في وجود عدو يستغل اللحظة التاريخية التي قد لا تتكرر مرة اخرى لتدمير لبنان.
على هذه الخلفيات تلاقت مراجع ديبلوماسية لبنانية وغربية وعربية في حديثها لـ “المركزية” عند قراءتها المعمقة لمواقف رئيس السلطة التشريعية فاتفقت على خلاصة متقاربة تحاكي متغيرات في موقفه منذ مسلسل خلو سدة الرئاسة في محطات عدة، ولا سيما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري حيث بات يتفرد في توجيه المجلس النيابي الى ما يمكن تسميته بـ “النظام البرلماني” ، متجاهلا كل اشكال الديمقراطية المتلازمة مع هذه الصفة .ذلك ان نظام لبنان “ديمقراطي – برلماني” ولم يكن يوما بالنهج الذي اعتمده في العقود الثلاثة الماضية.
فلا ينسى برلماني عتيق ان بري الذي ما زال متحكما بساحة النجمة منذ العام 92، وأعيد انتخابه في دورة ثانية في 22 تشرين الأول 1996، والثالثة بالإجماع في 17 تشرين الأول 2000. وكذلك الرابعة في 28 حزيران سنة 2005 قبل ان تكر السبحة إلى آخر المحطات التي انتخب فيها لولاية سابعة في 31 أيار 2022 بالنصف زائد واحدا وهي اقل نسبة بعدما نال 65 صوتا. وهي الدورة التي سبقت عملية “طوفان الأقصى” التي قامت بها حماس وتلتها حروب حزب الله المختلفة من “الإلهاء والإسناد” لغزة وصولا الى “أولي البأس” التي تلت اغتيال أمينه العام وحتى اسناد إيران بعد مقتل مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي.
قبل هذه المرحلة كانت اللعبة سياسية، تسلح في بدايتها بـ “تفاهم الدوحة” الذي انتهت إليه “غزوة بيروت” عام 2008 ومسلسل اغتيالات قادة 14 آذار، وتكررت التجربة السلبية في نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان ، مع خلو سدة الرئاسة لفترة طويلة بعد إلغاء مفاعيل “إعلان بعبدا” الذي كان يجنب لبنان تورط فئة من بنيه في الشؤون الداخلية العربية ومعها ذهاب “حزب الله” الى التدخل في الحرب السورية حيث ارتكبت المجازر واعمال التهجير بالسوريين قبل أن يثبت تورطه في حروب اليمن والعراق الداخلية التي قادته الى خوض الحروب بالإنابة عن إيران في لبنان وفي نصرة غزة قبل ان يتحول الى نصرتها منذ مطلع آذار الجاري.
وعلى خلفية ما انتهت اليه هذه الممارسات الشاذة، لاحظ الجميع ان بري لم يعد يتصدى لمحاولات المس بوحدة البلد وكيانه ، بتورطه من قبل الجناح العسكري لحركة “امل” الى جانب “حزب الله” في حروب عبثية، ولو بفارق شكلي. فالحزب خاضها تحت شعار “على طريق القدس” وفضل هو شعار “دفاعا عن لبنان” ولكن ذلك تبدل بعد تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 الذي سماه انجازا تاريخيا يضمن سيادة لبنان وحرية الرد على أي اعتداء إسرائيلي يليه، وانه سجل أكبر انتصار للبنان اهله لقيادة الشيعية السياسية في لبنان برعاية أميركية، متخطياً حجم التنازلات التي قدمها في ذلك “التفاهم المذل” لحملة السلاح غير الشرعي في كل لبنان بدءا من جنوبي الليطاني ، ومعه السعي الى بسط سلطة الدولة اللبنانية كاملة على أراضيها وعلى المعابر البرية والبحرية والجوية، بما اعتبر استسلاما كاملا لمنطق الدولة قبل إسرائيل.
كان ذلك قبل ان يقدم بري تفسيرا جديدا أبعد فيه سلاح الحزب والحركة خارج جنوب الليطاني عن تسليمه الى الجيش والقوى الأمنية وصولا الى شرطة البلدية، الى ان استخدم في حرب “إسناد جديدة” دعما لإيران بعد اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي في الضربة الأولى للحرب الأميركية – الاسرائيلية عليها والتمادي بالتهديد بتدمير ما تبقى من لبنان.
وبعدما عبر بري ليومين عن رفضه للحرب في شكلها وتوقيتها وهدفها، تبين لاحقا ان هناك عملية توزيع أدوار بين طرفي الثنائي مستخدما صفتيه النيابية والحزبية في لعبة أدت الى استدراج إيران للبنان مرة اخرى الى “حرب تدميرية” متحديا العدو الاسرائيلي المتسلح بغطاء أميركي ودولي، نتيجة تنكر هذا الثنائي لقرار مجلس الوزراء بتسليم السلاح غير الشرعي في المرحلة الثانية ما بين نهري الليطاني والأولي.
وإلى هذه الملاحظات التي لا يرقى اليها أي شك، أضافت هذه المراجع أن ما هو مستغرب بالنسبة الى موقف بري، تجاوز رفضه الحرب العبثية الأخيرة وصولا الى تبنيها بطريقة تثير القلق، رغم ما عكسته حتى اليوم من كوارث، ولم تعد تفهم مواقفه التي يطلقها بصفات عدة، تارة باسمه الشخصي ومن موقعه الدستوري رئيسا للسلطة التشريعية، وتارة بصفته الحزبية منهيا التمايز عن “حملة السلاح” الذين سموه “الأخ الأكبر”. وهو دور مريب، قاد ولا يزال المزيد من المجازر على مساحة لبنان وزاد من حجم النقاط المحتلة في الجنوب، وتدميرا إضافيا لبيروت وضاحيتها الجنوبية وقرى جنوب وشرق وشمال الليطاني والبقاع. هذا عدا عن ارتفاع عدد القتلى والشهداء بالمئات يضافون الى قوافل أخرى باتوا مجرد أرقام عند من قرر استخدام السلاح. وما زاد في الطين بلة تهجير قرابة 800 ألف لبناني على دفعات باتوا مشردين في ارضهم يبيتون على الطرقات وفي مراكز الايواء، من دون نسيان مخاطر ما يمكن ان تستدرجه عمليات اخرى من نزوح إضافي، قد يؤدي الى خلل ديمغرافي ان لم يعد مئات الآلاف الى مدنهم وقراهم.
وفي الخلاصة، فإن أصحاب هذه النظرية يخشون مرة اخرى ان يكون بري الذي يعيق التضامن اللبناني الرسمي خلف مبادرة رئيس الجمهورية قد انطلق من موقع سمح له بقيادة مفاوضات كارثية قبل تفاهم تشرين الثاني 2024 انه لم يفهم امرين: اولهما ان هناك اليوم رئيسا للجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وقد ألقيت على عاتقه مهمة المفاوضات الخارجية ومعه رئيس حكومة لم ولن يقبل مثله بان يتبنى الهزائم التي ورثها من الحكومة السابقة مرة أخرى.
ان المعلومات و الاراء و الافكار الواردة في هذا المقال تخص كاتبها وحده و تعبر عن وجهة نظره الخاصة دون غيره؛ ولا تعكس، باي شكل من الاشكال، موقف او توجهات او راي او وجهة نظر ناشر هذا الموقع او ادارة تحريره.
ان هذا الموقع و ادارة تحريره غير مسؤوليين عن الاخبار و المعلومات المنشورة عليه، و المنسوبة الى مصادرها بدقة من مواقع اخبارية او وكالات انباء.





